عبد الرحمن بن محمد البكري

198

الأنوار في علم الاسرار ومقامات الأبرار

الحق ، واستوحشت طريق الهداية لقلة السالكين لها ، وكثر النفاق ، وخرج الناس من الدين أفواجا ، واستبدلوا الحق بالباطل ، والآخرة بالدنيا ، وكثر الدهان ، وغلب المنكر ، وقهر أولياء اللّه تعالى ، وعلت أصوات أهل الخبائث ، واستخفى المؤمن ، وذهب التواصل ، وعدمت النصيحة ، وقلّت الألفة ، وفسدت النيات في ذات اللّه عز وجل ، وتصالحوا على الخب ، والفجور ، وسفك الدماء بغير حق ، وذهب الحياء في أخذ الحرام ، وصارت الهيبة في أهل الفجور ، ولم يبق على ظاهر الأرض متحقق بالتفرد ، ولا متحلّ بالحقيقة إلا ، والبلاء يطلبه ، والفتنة تلحقه غير أن في الناس بقايا من أهل التصديق بالقدرة متحققين بالإيمان بالقدر ، فإذا حل دخول القرن الخامس اشتد البلاء بأهل الإسلام خاصة فيما بينهم فكان الكل على الكل في القريب ، والبعيد ، والمولى ، والمولى عليه بعضهم لبعض فتنة ، وبعضهم على بعض نقمة بفساد دينهم ، ودنياهم ، وعيشتهم فلا راحة حينئذ لمن بقي من أهل الحقيقة غير أنهم يحجبون عن العامة ، ويستترون من المدعين ، فإذا دخل القرن السادس : ذهب أهل التصديق ، وبقي أهل الإنكار ، وسلب الناس عقل البصيرة وتبقى علل الحجة عليهم ، وذهب الإسلام فلم يبقى إلا اسمه ، وذهب أهل العمل بالقرآن فلم يبقى إلا رسمه ، ثم العجب العجب القرن السابع : وهم شرار الناس على شكلهم تأتى الآزفة تتبعها الرادفة . وقال : لا يزال العبد جاهلا حتى يطلب العلم بالأدب ، ولا يزال مدعيا بالعلم حتى يعمل به على الخوف ، والرجاء ، ولا يزال مغترا حتى يصبر على البأساء ، والضراء ، ويشكر ربه على العافية ، والنعماء . وقال : لا يصح طلب العلم إلا بالإرادة ، ولا تتم الإرادة إلا بالرعاية ، ولا تحمد معاني الرعاية إلا بالتوبة ، ولا تثبت التوبة إلا بكف الأذى بعد